المقريزي

61

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

فلما قدم عمرو بن العاص غيبت الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم . قال ابن لهيعة : بلغني أن تلك الصورة في ذلك الموضع قد أتى الآن عليها سنين لا يدرى من عملها . قال القضاعيّ : فهذه عشرون أعجوبة من جملتها ما يتضمن عدّة عجائب ، فلو بسطت لجاء منها عدد كثير ، ويقال : ليس من بلد فيه شيء غريب إلا وفي مصر مثله أو شبيه به . ثم تفضل مصر على البلدان بعجائبها التي ليست في بلد سواها . وفي كتاب تحفة الألباب : أنه كان بمصر بيت تحت الأرض فيه رهبان من النصارى ، وفي البيت سرير صغير من خشب تحت صبيّ ميت ملفوف في نطع أديم مشدود بحبل ، وعلى السرير مثل الباطية فيها أنبوب من نحاس فيه فتيل إذا اشتعل الفتيل بالنار وصار سراجا خرج من ذلك الأنبوب الزيت الصافي الحسن الفائق حتى تمتلئ تلك الباطية ، وينطفي السراج بكثرة الزيت فإذا انطفأ لم يخرج من الدهن شيء ، فإذا خرج الصبي الميت من تحت السرير لم يخرج من الزيت شيء والباطية يريقها الإنسان فلا يرى تحتها شيئا ، ولا موضعا فيه ثقب ، وأولئك الرهبان يتعيشون من ذلك الزيت يشتريه الناس منهم فينتفعون به . وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف « 1 » شاه : عديم الملك ابن تقطريم كان جبارا لا يطاق عظيم الخلق ، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون ، وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء ، وكانا في بئر يقال له افتارة ، وكانا يعلمان أهل مصر السحر . وكان يقال : إن الملك عديم بن البودشير استكثر من علمهما ، ثم انتقلا إلى بابل ، وأهل مصر من القبط يقولون : إنهم شيطانان يقال لهما : مهلة وبهالة ، وليس هما الملكين والملكان ببابل في بئر هناك يغشاها السحرة إلى أن تقوم الساعة . ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام وقال قوم : كان الشيطان يظهر وينصبها لهم . وقال قوم : أوّل من نصبها بدوره وأوّل صنم أقامه صنم الشمس ، وقال آخرون : بل النمرود الأوّل أمر الملوك بنصبها ، وعبادتها وعديم أول من صلب ، وذلك أن امرأة زنت برجل من أهل الصناعات ، وكان لها زوج من أصحاب الملك ، فأمر بصلبهما على منارين ، وجعل ظهر كل واحد منهما إلى ظهر الآخر وزبر على المنارين اسمهما وما فعلاه ، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك بهما فيه ، فانتهى الناس عن الزنى وبنى أربع مداين ، وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطلسمات ، وكنز فيها كنوزا كثيرة وعمل في الشرق منارا وأقام على رأسه صنما موجها إلى الشرق مادّا يديه يمنع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حدّه ، وزبر في صدره تاريخ الوقت

--> ( 1 ) مؤرخ من القرن السادس الهجري . له كتاب ( عجائب الدنيا ) وكتاب ( جواهر البحور ووقائع الدهور في أخبار الديار المصرية ) ت . سنة 596 ه . الأعلام ج 1 / 78 .